الأربعاء، 20 فبراير، 2008

اجمل ما قيل فى اميره الشعر سعاد الصباح




كتبت الشاعرة د. سعاد الصباح في ديوانها "فتافيت امرأة" شهادات عن عصرها كشفت فيه مساوئه ، وقد كانت في كل قصيدة شاهدة اتهام. وأزعم هنا لو أن باحثا أراد صورة لعصرنا بعد سبعين سنة مشكلة في أدبنا ، لكان أكثر تعويله على ديوان من دواوين هذه الشاعرة ، وأهم هذه الدواوين وأكثرها حضورا ، هو ديوان "فتافيت امرأة" ، والشاعرة سعاد الصباح اتخذت في كل قصيدة من قصائد الديوان موضوعا لهجاء الكثير من نقائصنا العربية ، ورداءة أحوالنا ، وهجاؤها مر شديد المرارة ، ولكن سامع الهجاء يشعر دائما أنه ليس المقصود بل غيره ، وهكذا فهو سيشارك الشاعرة نقمتها على أوضاع الإنسان العربي ، كأنما لو كانت سعاد الصباح تقول ما كان يتمنى المواطن العربي الأعزل قوله ، وليس غريبا على الشعر دوره الاجتماعي والإصلاحي في المجتمعات على مر التاريخ ، فقد كان الشاعر يسمى باللاتينية (Vates) ومعنى التسمية (النبي) ، وذلك ما دفع العرب الجاهليون فيما يبدو إلى وصف النبي محمد(ص) بأنه شاعر ، وكان قائلهم يقول مستنكرا : "إننا لـتاركوا آلهتنا لشاعر من فقراء قريش" فجاء في المحكم : "وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين". تقول الشاعرة سعاد الصباح في قصيدة "فيتو على نون السنوة"

ولي هنا أن أجتزئ من هذه القصيدة قولها - "يقولون : إن الكتابة إثم عظيم …فلا تكتبي.وإن الصلاة أمام الحروف.. حرامفلا تقربي وإن مداد القصائد سم…فإياك أن تشربي".

سعاد الصباح ملكة قلعة مطلسمة بسحر المرأة المشرقية.....
* فيصل عبد الحسن
كأنها تصرخ برجال أمتنا العربية أنهم لا يقدرون حريتهم وحرية غيرهم كما ينبغي ، فهم عادة يسرفون إذا اكتالوا ، ويطففون إذا كالوا ، ويرون للرجل الحق في كل شيء وأن يقول ما يشاء ويسب ما يشاء وينكرون على المرأة هذا الحــق.وكان يخيل إلي أن الشاعرة كغيرها تتأثر بالميول الوقتية للشعر أكثر من تأثرها بالآراء والعقائد ، وربما كانت هذه الحصيلة الأولية عند استماعي لها وهي تلقي قصيدة في مهرجان المربد الشهير في الثمانينات ببغداد ، فأحدثت طريقتها بالإلقاء في نفسي أثرا بليغا وبقيت زمنا طويلا غب ذلك المهرجان لا اقرأ بعيني شعرا لأحد الشعراء إلا وكان يخيل إلي أني أسمع صوت د. سعاد الصباح ، كأنما نبرات صوتها ترن في أنحاء نفسي ، وصارت صورتها تخالط في ذهني صور الشعراء الذين أقرأ لهم فيزداد صفاء تصوري للأخيلة التي يراها الحالم في رؤاه ولا يفلح في إبعادها إلا إذا استيقظ ، بل قد يبقى منها حتى بعد اليقظة حينا ثم تضمحل ، ويعود الواقع إلى وقعه القاسي الدامي ، والغريب أن قارئ شعر الصباح يصل إلى استنتاج مفاده أن في نفس الشاعرة ثلاث شخصيات ، هي على التوالي : عنترة عبس وسندباد ألف ليلة وليلة وشاعرة العرب الخنساء ، فاستمع إليها هنا على سبيل المثال وهي الساخرة دائما من القوالين : - يقولون : إني كسرت رخامة قبري… / وهذا صحيح / وإني ذبحت خفافيش عصري… / وهذا صحيح / وإني اقتلعت جذور النفاق بشعري / وحطمت عصر الصفيح / فإن جرحوني … / فأجمل ما في الوجود غزال جريح / وإن صلبوني / فشكرا لهم / لقد جعلوني بصف المسيح…-
لقد وفقت الشاعرة سعاد الصباح في شعرها إلى حسن الملائمة بين معانيه ومبانيه ، فالألفاظ تنسجم فيما بينها وكذلك المعاني وفي تكوين الهدف العام الذي يريد بناء القصيدة توصيله لنا ، وكل قصيدة في هذا الديوان زهرة نضرة في فوضى الشعر العربي الحديث ، وزهرة واحدة في بستانها المزهر تكفي لأن تملأ باديتـنا المجدبة أرجا طيبا ، ويجد قارئ الديوان أن كل قصيدة تأتي مكملة لما قبلها في دورة متكاملة تذكرنا بعقد الجواهر البراق ، مما يؤكد أن الشاعرة ، هي شاعرة رأي وعقيدة قبل أن تكون شاعرة متأثرة بالميول الوقتية للشعر ، أو ما يسمى بالموضة السائدة كما أسلفنا.. استمع لها تقول في قصيدتها "المجنونة" بلسان نسائنا العربيات : أنا في حالة حب.. ليس لي منها شفاء / وأنا المقهورة في جسدي / كملايين النساء / وأنا مشدودة الأعصاب / لو تنفخ في داخل أذني / لتطايرت دخانا في الهواء … / إنني ضائعة كالسمك الضائع في عرض البحار… / فمتى تنهي حصاري ؟ / يا لذي خبأ في معطفه مفتاح داري / يا الذي يدخل في كل تفاصيل نهاري.والصباح تمتلك حساسية يد الصياد المسكون بتجارب الإبحار في المحيطات العميقة والذي يستمع لرجفة خيوط شبكة الصيد المدلاة في البحر لتقتنص الكلمات المناسبة لكل قصيدة كما أسلفنا بانسجام تام بين مبنى القصيدة وهدفها العام – العقائدي – في الكثير من الأحيان والذي يأتي في العادة في الحركة الأخيرة من القصيدة أو في أولها في بعض الأحيان ، كقولها في قصيدة المجنونة : "انتمائي هو للحب / ومالي لسوي الحب انتماء /وطني … / مجموعة من شجر الليمون في صدرك … /والباقي هراء بهراء…"وقولها في بداية قصيدة "كويتية" : "يا صديقي : في الكويتيات شيء من طباع البحر ، فادرس / - قبل أن تدخل في البحر – طباعي.."وقصائد سعاد الصباح لا تكاد تقع في الملكية الشائعة (النشر) حتى يتهافت عليها صعاليك الشعر يستعيرون منها كما تستعير الشركات الفقيرة "علامة" الشركة الأصلية ذات الاعتماد الموثوق به ، ويفتحون بما أخذوا منها باب السوق لبضاعتهم الرديئة ، فقبل أيام قرأت في صحيفة لندنية لشاعر ولا مجال هنا لذكر اسمه وقد أخذ الكثير من قصيدة الصباح "كويتية" ولم يكتف بذلك بل وضع لقصيدته ذات العنوان ، فصار اسم قصيدته "كويتية" أيضا ، وجعلها فيما أظن ماركة مسجلة باسمه يورثها لمن يأتي بعده من أصدقائه الشعراء الصعاليك ، ليقدموا بها قصائدهم ، والغريب أن أحدا لا يدافع عن حقوق هذه الشاعرة ، وربما لا يخوض أحد غمار هذه المحاولة لذات السبب الذي كتب حوله الكاتب اللبناني المعروف (سمير عطا الله) في أحد إعداد الشرق الأوسط حين حدد سبب قلة كتابته عن هذه الشاعرة فقال : "عرفت مبكرا جدا معنى مشاعر الآخرين وكرامتهم ومعنى الضعف البشري وعظمة الكلمة الطيبة الراقية وسفه الكلمة السفيهة وفظاظتها وقررت أن أكتب بالقلم لا بالمطرقة ، وأن أحيط نفسي بالمحبين لا بالكارهين ولا بالمحتقرين. ومن كثرة حساسيتي في هذا المجال منعت نفسي عن إعطاء بعض النفوس النبيلة حقها ، وأعطيت مرة مثالا على ذلك الدكتورة سعاد الصباح -الشرق الأوسط في 19/10/2003 - وفي هذه العجالة أتجاوز الحساسية التي يتحدث عنها عطا الله وأقول كلمة حق في شاعرة أمتعتنا بإبداعها الراقي ، ودفاعها عن المرأة العربية ، وقضايا الإنسان العربي في كفاحه اليومي من أجل حياة كريمة يتجاوز بها معاناته وواقعه القاسي ولن أتحرج من حبي لشعرها على الإنصاف في نقد ديوانها ، وأستمع إليها في القصيدة التي أخذ الديوان اسمه منها : "أيها السيد : ماذا بمقاديري فعلت ؟لم يعد عندي انتماء غير أنت… / أنك القومية الكبرى التي تربطني - ولا تكتفي الشاعرة برسم صورة المرأة السجينة عند سيدها الرجل بل أن سجنها يمتد ليشمل كل ماله علاقة بكيانها الإنساني حتى يصل درجة الإلغاء لوجودها : "كل أوراقي التي أحملها في سفري فوقها رسمك أنت / والمرايا .. لا أرى وجهي بها / بل أرى وجهك أنت.. / والكاسيتات التي أسمعها في خلوتي / عكست ذوقك أنت../ لم يعد عندي مكان / بعدما استعمرت كل الأمكنة / لم يعد عندي زمان بعدما صادرت كل الأزمنة…".وفي الموتيف الثالث من القصيدة ، وهي بالفعل قصيدة موسيقى ، تقوم على ذات فكرة الموتيفات الموسيقية ، التي تؤدى في السيمفونيات الخالدة ، وتضع الشاعرة فيها قضية المرأة العربية بين يدي القارئ ليحكم بنفسه : "سيدي ، يا سيدي / أيها الحاكمني من غير قانون.. / ومن غير شرائع / أيها الحابسني كالماء ما بين الأصابع /"وبالرغم من أن الشاعرة توحي للقارئ أن ذلك السيد هو ذاته طفلها الذي أخرجته من جسدها ، لكنه في هذه القصيدة وبالرغم من خجل الأنثى عند الشاعرة ، وما تسبغه عليه من صفات : "المالكني / المحتلني / الساقط فوقي كالرعود /" كما الموتيف الرابع من القصيدة فهو يدلل بشكل لا يقبل اللبس على أن المخاطب في هذه القصيدة هو "السيد" ، الرجل العربي في علاقته بالمرأة ، وربما يجلى الموتيف الخامس هذا الغموض الذي قصدته الشاعرة حين تقول : أيها السيد : أخرج من جهازي العصبي / من كتاباتي … / وحبري .. / وسطوري.. / وشرايين يدي ../ أيها السيد أخرج / من ملاءات سريري ../ من رذاذ الماء ينساب على جسمي صباحا / من دبابيسي … وأمشاطي …/ وكحلي العربي..".وفي أغلب قصائد الديوان نجد المرأة باحثة عن معنى الحرية ومعنى الثقافة الذي تحصره في تعليم الحرية للمضطهدين ، وعن ألم المرأة العربية التي تعيش على حياة لا تهواها ، ويصير للروح ما يوجعها ومما يأذن للوهج أن يتدفق عبر المداد حتى تتسامى الكلمات فتكون جزءا من الحقيقة وبهائها ، والمرأة في قصائد سعاد الصباح سجينة دائما ، وبالرغم من سجنها فلا تبدو عليها المذلة ، أو كما قال ديوجين -يكون الأسد حبيسا ، ولكن لا يجعله الحبس عبدا-.وقصائدها التي لها لغة خاصة تقترب من لغة الحوار اليومي مما جعل شعرها مفهوما من جميع طبقات الشعوب العربية ، وصار ملمحا من ملامح التحديث الشعري في هذا القرن وإتماما لما قام به أبو العلاء المعري وأبو تمام والمتنبي والشريف وابن المقفع ، وزرياب والموشحات الأندلسية ، ورواد الشعر العربي الحديث من محاولات التحديث لأدبنا العربي وجعله أكثر تعبيرا عن الحياة والمعاصرة ، وأكثر اعتدالا وأصالة في حداثته المضمونية كما في حداثته الشكلية…ويتساءل المتتبع لحياة الشعراء وإبداعهم عن أيهما أحرى بنا متابعته : شعرهم ، الذي ينظمونه أم حياتهم التي يـبددونها ، وربما أجمع الكثيرون أن حياة الشاعر لا تنفصل عن إبداعه الشعري وأن الشاعر في حياته "شعر حي" وهذا ينطبق تماما على شاعرتنا ، فحياتها بيننا عبارة عن قصيدة حقيقية ترف بالحزن حينا وبالأمل والبهجة حينا آخر ، ولعل موت ابنها يرحمه الله كان بالنسبة إليها كشاعرة رقيقة الطبع ، شفافة العبارة أروع نشيد ترفعه الأرض إلى السماء ، وقد حاولت الشاعرة أن تلوذ عن ذلك الأسى العميق بشعرها ، فربح الشعر من أسى شاعرتنا قصيدة كزهرة نضرة ملأت روضه بالأريج ، فكأنما كانت الشاعرة تغرز إبرتها الدقيقة برفق في الشرايين المتصلبة فيسيل حزنها النبيل في النفوس ، واستمع لها تقول في قصيدة "كيف أنساه ؟" وهي تندب زوجها المرحوم عبد الله المبارك : "أخت روحي .. أو عن لوعة قلبي تسألين ؟ أنا همي ما له في كتب الهم قرين ليتك اليوم بناري واحتراقي تشعرينبعد أن غاب الذي كان لي الركن الركينوالذي كانت ضلوعي وكره ألحاني الأمين كل يوم ينقضي ، أكبره عشر سنين..كيف أنسى ؟ وهو أدنى لي من حبل الوتين كيف أنسى ؟ وهو الحرقة في دمعي السخين".
ويوشك شعر الموت في قصائد سعاد الصباح أن يعود إلى نفاذه الجاهلي القديم ولكن مع غنى أكثر وتنويعات تجعل حزنها أكثر تغلغلا في الروح ، فهي في كل حزيران من كل عام ، وفي ذكرى وفاة زوجها – عبد الله المبارك – يرحمه الله تنشر قصيدة تهديها إلى روحه ، وفيها ذلك الأنين الموجع الذي يذكرنا بأنين الخنساء وامرئ ألقيس الذي فجع بأبيه ، ثم لقي حتفه بحلة قيصرية مسمومة لأنه رفع عينيه إلى ابنة قيصر الروم فقتلته تلك الرغبة ، وقد لقب بذي القروح ، فقبل قروح الحلة المسمومة كانت له كبد مقروحة ، فجاء شعره محملا بتراجيديا حزينة لا سبيل في نسيانها لكل قلب نبيل … ولا نقول عن موت الحبيب المفاجئ في حالة الشاعرة سعاد الصباح إلا أنه ضرب من القتل والغيلة وإلا فما الفرق بين صريع القتل بالترصد ومن اغتالته هموم الحياة فجأة ؟ ومن اجتماع الرأي حول فخامة وأصالة شعر الشاعرة سعاد الصباح ، ما قاله فضيلة المرجع العلامة السيد محمد حسين فضل الله في حوار أجرته معه محررة مجلة "المرأة اليوم" عندما قرن اسم الشاعرة بنازك الملائكة وفدوى طوقان واعتبر هاته الشاعرات الثلاث "نازك ، فدوى ، وسعاد الصباح" رائدات للحداثة الشعرية العربية ، وأقول هنا ما قاله الدكتور طه حسين يرحمه الله أن الثناء الخالص الذي لا يشوبه النقد إنما هو كالماء أذيب فيه كثير من السكر ، وتوشك أن أسرفت في شربه أن يأخذك الغثيان ، فأقول أن قصيدة – من امرأة ناصرية إلى جمال عبد الناصر- لم يكن من المناسب أن تكون في هذا الديوان ، بالرغم من أن القصيدة تعبر خير تعبير عن حاجة المواطن العربي إلى زعيم عربي حقيقي في هذا الزمن المتهالك ، ولكنها توشك أن تخلخل البنيان الرصين لوحدة موضوع الديوان بموسيقاها الهتافية الصاخبة ، ويشعر القارئ بهبوط حاد في الموسيقى الهادئة التي ألفها مع قصائد الديوان السابقة ، ومع هذا الاختلال الضئيل ، فقصائد ديوان "فتافيت امرأة" ، قصائد حب رقيقة ، وشعرها يشبه ما يسميه الفرنسيون بقصائد العناق ، التي لا تقال جهرا وفي فضاء واسع ، لأن الفضاء الطلق يضيع الروح من نغماتها ويمحو حسنها ، إنها قصائد تقال حين يفرغ الصفي للصفي ويتمتع الحبيب بقرب الحبيب ، وقصائدها الوداعية تمتاز بالرفق والرقة وهي تخاطب القلوب المكلومة ، والضمائر المثقلة بالذكريات ... وعندما يرصد الناقد شعر سعاد الصباح الوطني لا يستطيع أن يضعه ضمن حافتي نهر لاتساعه وتنوعه.. وربما سيقول عنها النقد قريبا أنها شاعرة الضوء ، وشاعرة المدينة وشاعرة المرأة ، وقد تبدو للجميع قلعة مقفلة لها باب مسحور لا يفتح إلا لماما ، لدفع الصدقات للمحتاجين أو للجوء ملك مخلوع ، أو لعاشق ظل الطريق ، وربما يرى فيها آخرون سليمان الحكيم يكلم النبات والجماد أو يرون فيها ملكة قلعة مطلسمة بسحر المرأة المشرقية فترى في الأعياد تدور في الأسواق توزع بركاتها وقصائدها على المرضى فتكون لهم آيات شفاء… والكتابة عن ديوان "فتافيت امرأة" يستغرق حيزا كبيرا لا تطيقه عجالتنا اليومية هذه.
* نشرت الدراسة في جريدة الزمان العدد 1062 الاول من نوفمبر تشرين الثاني 2001

‏ليست هناك تعليقات: